ابن حزم

77

رسائل ابن حزم الأندلسي

يلازمانه . أما الغيرة أو الأنفة الشديدة فقد حملته على بضعه لانكاح الحرم جملة ، وأما سوء الظن فإنه امتد حتى شمل الرجال ، وقد ظل يراه حزماً ما لم يخرج عن حدود الدين . كذلك استمر لديه التحمل للأذى والصبر على الألم من الخصوم والإخوان على السواء ، حتى اتهمه بعضهم بتبلد الإحساس في هذه الناحية ، وهو يرد على ذلك بان الإحساس بالألم في مثل ذلك أمر طبيعي ولكن كل ما هنالك أنه راض نفسه على عدم الثورة والهياج والتخبط ، ولكنه يستطيع ان يرد بكلام مؤلم دون إفحاش متحرياً الصدق فيما يقول . كذلك اتهم بأنه مذل بأسرار إخوانه ، ولعل في هذا إشارة إلى كتاب الطوق نفسه إذ كشف فيه أسرار كثيرين ممن عرفهم ، وكان الناس في أيامه يعرفونهم حتى وان لم يذكر أسماءهم ؛ كما اتهموه بأنه يسمع الذم في اخوانه ولا يمتعض لهم ، ويرد على هذه التهمة بأنه يمتعض امتعاضاً رقيقاً ، يحمل الذام على الندم والاعتذار والخجل ، دون مهارشة له أو استثارة لغضبه ، لان ذلك قد يحمله على التمادي في ذم أحد إخوانه ، ويتعدى الذم إلى سب الأبوين وإلى السفه والبذاءة . وأخذ عليه أنه متلف لماله ، ولابد أن تكون هذه التهمة بعد إذ أصبح يستطيع الحصول على مال يمكن التوفير فيه ، وهذه الحال غير مستنكرة في من عانى شظف العيش بعد استقرار ورفاهية ، واني لأظنها مأخذاً صحيحاً ، ولكن ابن حزم يعتذر عنها بأنه لا يتلف من ماله إلا ما فيه حفظ دينه من النقص وعرضه من الأخلاق ونفسه من التعب ، وكأني به يقر بتلك الخصلة على نحو غير مباشر . ويطالعنا ابن حزم بخصلة كانت فيه ليس من السهل أن يستشف من مؤلفاته ، وهي دعابة غالية ، وتلك صفة حاول فيها الاعتدال بتجنب ما يغضب الممازح ، وظل يحتفظ منها بالقسط الذي لا يؤذي الآخرين . وقد نحمل عليها ثلاثة مواقف في الطوق أولها : أن ابن حزم توقف في